على أثر ذلك، صرّح عدد من الفنانين/ات المصريين/ات الذين قدموا دبلجات بالعامية المصرية لأعمال سابقة لديزني، عن نيتهم بعدم المشاركة في أي عمل قادم يضم شخصيات من مجتمع الميم - عين بسبب اعتراضهم/نّ على الأجندة الجديدة للشركة (1)(2)، كما اشتعلت مواقع التواصل الاجتماعي بسيل من الآراء المؤيدة والمعارضة، فقد رأى المؤيدون/ات أن مثل هذه القرارات تعد تطوراً كبيراً في عالم الإنتاج الفني وانها خطوة تأخرت كثيراً، لكونه من المهم أن تجد كل الأقليات التمثيل المناسب لها خصوصاً وأن الأعمال موجهة بشكل خاص إلى الأطفال، الأمر الذي سيجعل طريقة اكتشافهم لذواتهم أكثر أماناً.
وعلى الجانب الآخر، رأى المعارضون/ات أن هذه القرارات ليست إلا محاولة لإرضاء مجتمع الميم-عين والانصياع لرغبات الصوابية السياسة، وأن تمثيل الأقليات الجنسية لا يخدم العمل الفني ولا يؤثر عليه، زاعمين أن ما تقوم به تلك الشركات هي محاولة لتلقين المشاهدين/ات سواء كانوا من الأطفال أو البالغين/ات لأفكار غير مقبولة، مما قد يسبب خطورة على الأطفال.
خطوات تصحيحية
اعتبرت مؤسسة مجموعة أطياف الكويرية، التي فضلت عدم ذكر اسمها لأسباب أمنية، إنه "على عكس ما قد يتوقع البعض، فإن هناك فئة ليست بقليلة من العاملين/ات في المجال الفني والسينمائي من مجتمع الميم-عين، وبالتالي فإن خطوة إظهارهم/نّ في الأعمال الفنية جاءت متأخرة خصوصاً في منصة بحجم ديزني حيث لم يحظى الكثير من العاملين/ات في هذا المجال بتمثيل حقيقي لهم/نّ، وظلت الأعمال تمثل الجوانب السائدة من المجتمعات وذلك ينطبق على القطاع السينمائي والتلفزيوني بشكل عام".
وأضافت خلال حديث لرصيف22: "أدت هذه السياسة لغياب التنوع والاختلاف في عقلية المشاهد وكأنه في الحياة لا يوجد علاقات انسانية وعاطفية إلا بين المغايرين جنسياً، الأمر الذي يجعل ما تقوم به منصات الإنتاج الفني في الوقت الحالي عبارة عن خطوات تصحيحية لتاريخ طويل من التهميش والإنكار".
وأشارت المتحدثة إلى أن ديزني قد تأخرت في اللحاق بمنصات أخرى مثل "نتفيليكس" و"اتش بي أو": "بدأ الأمر بمحاولات الشركة تغيير الصورة النمطية لأميراتها اللواتي ينتظرن الفارس المغوار ليحررهنّ من الأسر أو ليقعن في غرامه لصورة أكثر واقعية عن نساء يحاولن أن يثبتن ذواتهنّ ويسعين لخوض تجارب مختلفة"، منوهة بأنه "مع إعلان ديزني عن منصة المشاهدة الخاصة بها وشرائها لحقوق أعمال مارفل بدأت الأمور في التحسن".
بالنسبة إلى مسألة ارضاء مجتمع الميم-عين، قالت المتحدثة: "بالطبع هناك رغبة لإرضاء مجتمع الميم-عين، فهذه الشركات هي شركات رأسمالية في الأساس وهدفها الأول والأخير هو الربح، وإظهار شرائح أكثر من المجتمعات سيساعدها في تحقيق ربح مادي أكبر، الا أن ظهور الأقليات الجنسية في الأعمال أضاف بعداً فنياً خاصاً لأعمال كثيرة، مثل مسلسل (Orange Is the New Black) على شبكة نتفلكس والذي يعد أحد أوائل الأعمال الكويرية التي قدمتها المنصة والذي حقق نجاحاً كبيراً".
وتابعت بالقول: "منصات الإنتاج مجبرة على هذا التغيير، لأنه لو لم يحدث ذلك، لن تحقق تلك الأعمال الأرباح المرجوة منها، وأعتقد أن هذا التوجه لن يكون مجرد صيحة أو ظاهرة تخفت مع مرور الزمن، فتمكين الأقليات سيفتح الباب لأعمال كثيرة جداً كانت تتوارى خلف السياسات التى كانت تتبعها شركات الإنتاج قديماً، أما اليوم وبعد فتح الباب لظهور الأقليات بشكل أكبر سيكون من الصعب أقصائها مرة أخرى".
الظهور رسالة
قدم المخرج المصري محمد دياب مسلسل (moon night) عبر منصة ديزني أحد قصص مارفل المصورة عن بطل خارق وإله مصري قديم، هذا العمل قابل حَفاوة بالغة خصوصاً في مصر لكونه جاء مختلفاً عن باقي الأعمال الغربية التي تتناول مصر أو المناطق العربية في أحداثها.
في حوار مع رصيف22، قال المخرج وصانع المحتوى عمر أبو المجد: "من الطبيعي أن يحتفي المشاهد بالأعمال التي يشعر انها تمثله، والتي نجحت في أن تتناول حياته كما يراها، وهنا تظهر أهمية تمثيل الثقافات والمجتمعات المختلفة من خلال أناس من تلك الثقافات والمجتمعات، فهم/ن وحدهم/ن القادرين/ات على رؤية التفاصيل التي ستجعل العمل أقرب للواقعية".
وأضاف أبو المجد: "تختلف ردود الأفعال تجاه تمثيل الفئات المهمشة، فهناك من يتقبل تمثيلهم/نّ لأنه يشعر أن هذا حقهم/نّ، وأن العالم مدين لهم/نّ، وآخرون يرفضون تمثيل الأفراد الذين يختلفون عنهم سواء في التقاليد والعادات أو الدين أو حتى في الميول والهوية الجنسية، لأن ذلك يشعرهم بأن العالم لا يشبههم".
وعن أثر تغييب مجتمع الميم-عين من الأعمال الفنية أو تمثيل بعض الأفراد بشكل سلبي،
قالت سعاد (اسم مستعار): "كانت الأعمال الفنية تتجنب إظهارنا في أغلب الأوقات، وإن حدث ذلك عادةً ما يكون بشكل سلبي لتقديم صورة نمطية خاطئة عنّا، وكعابرة ذات ميول مثلية كان من الصعب عليّ أن أجد تمثيلاً إيجابياً أو محايداً على الأقل لهويتي".
وأضافت لرصيف22: "شعرت دائماً أنني وحدي وأن عليّ أن اتخفى عن العيون، إلي أن شاهدت بضع حلقات من مسلسل (Euphoria) مؤخراً، حيث لاحظت وجود إحدى العابرات فيه خارج الصورة التي اعتدت أن اراها في الأعمال الفنية، كان هذا جيّد إلى حدّ كبير"، واستدركت بالقول: "لا يمكنني القول بأن جميع المشاعر التي انتابتني كانت جيدة، فقد كان هناك شعور دفين بالحسرة على عدم استطاعتي أن أعيش تلك الحياة، لكن على الأقل كان بالامكان أن اشاهد شخص ما يمثل هويتي خارج إطار الوعظ والتحذير".
المساهمة في تقبل الذات
شرح المعالج والمحلل النفسي طوني حداد في حديثه لرصيف 22: "يعتبر تقبل الذات شيء بنيوي يتم تأسيسه من خلال تفاعل الطفل مع البيئة، وعلى أساس هذا التفاعل تتكون نظرة الأطفال لأنفسهم عندما يصبحوا في مرحلة البلوغ".
اما بالنسبة لتقبل الذات على الجانب الجنساني، فأوضح حداد أن المسألة تكون أصعب: "بسبب الوصمة المجتمعية والرفض الذي تواجهه الميول والهويات الجنسية غير النمطية، وبوجود تمثيل إيجابي لمجتمع الميم-عين في الأعمال الفنية سوف يساعد ذلك أصحاب تلك الميول والهويات الجنسية على تقبل ذواتهم/نّ حتى وإن واجهتهم/نّ بعض المشاعر السيئة بسبب عدم قدرتهم/نّ على أن يكونوا مثل تلك الشخصيات التي يشاهدونها، لكن سيمنحهم/نّ هذا شعور أولي بالأمان حتى وان كان هناك معارضة اجتماعية، كما قد يمنحهم/نّ الأمل في أن يروا أنفسهم/ن في المستقبل في مكان أفضل".
هذا وأوضح الدكتور طوني حداد: "ليس هناك أي علاقة بين الميول الجنسية وبين ما يشاهده الأفراد أو يعيشون معه، وأكبر دليل على هذا هو وجود أشخاص مثليين أو مثليات كبروا داخل عائلات مغايرة من أب وأم ينجذبون لبعضهم البعض، كما نشأ أطفال في عائلات مثلية من آباء أو أمهات، وكبروا/ن مع توجه جنسي مغاير، وهناك أبحاث ودراسات كثر تحدثت عن هذا، لذا فإن عدم عرض منصات الإنتاج لشخصيات ذات ميول وهويات جنسية مختلفة في أعمالها الموجهة للأطفال لن يوقف ظهور أناس بهويات وميول جنسية مختلفة، لكن بوجود هذه الشخصيات في الأعمال الموجهة للأطفال قد يساعد المرء على فهم ذاته بشكل أفضل ويمنحه القدرة على تقبل الاختلاف بين البشر".
____________________________________
نشرت لأول مرة في موقع رصيف22
