أحدهم





لم اعرفه كان كأحدهم شخص ما في قارعة الطريق ربما رأيته بضع مرات لكنى لم اميزه رغم حدة ملامحه ربما لم يكن هناك داعي لذلك، لما سأعبأ بأحدهم ما لم يجمعنا معاً حدث ما؟ هل ميزتمن أبداً وجوه بائعي الأكشاك؟ مناديب التوصيل؟ ماذا عن السائقين؟! لا أحد يمكنه تمييز او تذكر الوجوه اليومية الناس كثر لكن بطبيعة الحال قد يفعل هذا أحدهم ربما قد يحفر وجهك وهيئتك في ذاكرته ويتبعك بلا علم منك رغم حذرك المزعوم.. قلقك الدائم.. إرتيابك الذي حفزك دائماً لاستشعار الخطر من الآخرين لكن لن يمنعه هذا من االتلصص عليك ومعرفة نمط تحركك والتخطيط لاقتناصك الذي سينجح فيه ليعلن لك عن سخف جنون ارتيابك وانعدام فائدته.

وهذا بالظبط ما حدث، وكانت أولى المحاولات ذات يوم ليس ببعيد كنت اتجه لملاقاة أحد الأصدقاء بينما كان يجلس هو داخل دراجته النارية ذات الثلاث عجلات متأنقاً نسبياً كمحاولة لتمييز نفسه بين معظم أقرانه، النمط المعتاد للسائقين المتنصلين من مهنتهم وللسخرية كان في حديثه الذي سيجمعني به فيما بعد جمل كلاشيهية للغاية عادتاً ما يكرره من هم مثله كقوله أنه يعمل فقط للتسلية أو انه لا يحتاج لأن يقوم بهذا لكنها فقط للسجائر والكيف ليس أكثر، لكن لنركز الآن على بداية الأمر كانت دراجاته متوقفة على أحد النواصي وكنت أسير أنا في طريقي أحاول نسيان حقيقة أن الشارع به ناس.. الكثير منهمن.

ناداني حينها في البداية ظننته أحد هؤلاء السائقين متصنعين الود للظفر بأجر توصيلة أخري شكرته على عرضه بابتسامة مصطنعة لكنه كرر نداه بشكل أكثر ريبة والحاح أول الأفكار التي قفزت لرأسي أنه أحد باعة الحشيشة اليائسين يحاول تقديم بضاعته وكما اعتدت في التعامل مع هؤلاء فانه ان كان يعرفني ويعرف اني ربما قد أكون احد عملائه فلن تكون هذه أخر محاولاته وسيجدني في مرة أخرى في وقت ما فلما العجلة إذاً، التفتت له هذه المرة فقد كنت ابتعدت عنه نسبياً وسارعت من خطاى واشرت له في امتنان يحشوه التصنع ان شكراَ يا هذا ربما في وقت لاحق.

أكملت طريقي يومها ولم أعبأ بالموقف أو أعيد تذكره، كان حادث عبثياً عارض ككثير غيره لما الإهتمام هناك ما هو أكثر غرابة دائماً ولم يكن هذا قريباً منها حتى حينها فمضت الأيام ولم اهتم، لكن أحدهم على عكسي زاد اهتمامه ربما استمر في تتبعى في مرات ظهوري القليلة بالشارع من يدري.

ومضت برهة من الزمن لا استطيع تحديدها لكان من الواضح انها مدة جعلته جاهزاً لمحاولة أخرى أكثر إلحاح، وقتها كنت أحضر عقد قران أحد المعارف كانت هذه من مراتي القليلة التى ادخل فيها مسجداً بغرض غير التبول، تركت تلك الأماكن من زمن بعيد ولست آسفة على ذلك، امتد العقد لساعة كاملة كنت وقتها على موعد مع أحد الأصدقاء وقد تأخرت عنه بالفعل انتظرت خارج المسجد حتى انتهت الطقوس وفي نهاية فقرة المباركات دخلت لأثبت حضوري وابارك الزيجة او ربما العنها فربما كانت دعوتى لمناسبة كتلك فكرة ملعونة من أساسها لكني لم أريد أن ارد الدعوة كما ان ظهوري مرة أخرى في المناسبات ريما يكون مفيداً في تقليل الانطباع المأخوذ عني هنا بالانطواء وغرابة الأطوار، هذه صفات لا أنكرها لكنها إن ظهرت بشكل أكثر من اللازم ستضر بشخصية العمل التى أحاول بنائها لكننى انتهيت اخيراً وفرغت من هذا الواجب ثقيل الظل واتجهت لأقابل صديقي ممنياً نفسي انه لم يترك المكان بعد أن قتله تأخري من الملل.

وف طريقي وجدته كان جالساً نفس جلسته وهذه المرة كنت أقرب له نادني فلم استطع التملص، دعاني وقتها لتوصيلي لمكان ذهابي فشكرته في المكان على بعد خطوات ولا حاجة لذلك فصديقي ينتظرني، كرر عرضه وقال: ربما لن تجد صديقك دعنى اوصلك وإن لم يكن موجود نكمل طريقنا ونلف أحد السجائر، تأكدت حينها من أنه بائع وشكرته في يأس محاولاً الإبتعاد لكنه بادر بقوله دعنى اوصلك فلن تجده، ركبت معه واقتربنا من المكان وبنظرة سريعة فاحصة لوجوه الجالسين لم أميز وجه صديقي فعلمت انه قد رحل لكنني تظاهرت أنه موجود وطلبت منه الوقوف وترجلت وشكرته بعد ان اخذت رقمه كمحاولة لطمئنته بأنني سأتصل به عند الحاجة وانه قد ظفر بالزبون، حاولت الابتعاد وغادر هو ووقفت انا انظر بين الحضور بتأني أكثر عن صديقي المتململ لكنه وبشكل مؤكد هذه المرة كان قد رحل.

وضعت أحدى السجائر في فمي واشعلتها ووقفت بجانب الطريق أرسل لصديقي بضع العبارات الفاحشة والمسبات عن تركه لي رغم تأخري عنه في سلوك لا منطقي اعتدناه سوياً، امتد وقوفي حتى انتهيت من سيجارتي ووقفت لا أدري بعدها ما أفعل لكنني قررت أخيراً أن أعود أدراجي.

لم اتحرك بضع امتار حتى وجدته امامي مطلاً من خلف زجاج دراجته قائلاَ: "أخبرتك أنك لن تجده دعنى اوصلك"، قالها وهو مبتسم في ثقة وإلحاح جعل من محاولة شكره وتجاوز عرضه أمراً ليس بالهين، فوافقت على مضض ارخيت جسدي فوق مقعد الركاب وجلست أفكر في المكان الذي سأجعله يوصلني اليه ويكون بعيداً عن خط سيري المعتاد فقد كنت بدأت في الإرتياب بالفعل، حينها قطع سيل أفكاري بحديثه وقل سنقف برهة لشراء البفرة، لم ينتظر ردي وانعطف عند أحد الأكشاك قافزاً قبل أن تقف دراجته وفي اقل من خمس ثواني كان قد عاد اتجهنا بعدها إلى أحد الشوارع الجانبية المظلمة أخرج بعده من جيبه قطعة بنية مكعبة الشكل وقال: "اخلط لنا هذه السيجارة لنتذوقها وتعطيني رأيك".

كان مع الوقت يزيد تأكدي من أنه أحد الباعة يقوم بعرض بضاعته ليكسب زبون جديد، انتابني القلق قليلاً من فكرة معرفته بأنى قد أكون أحد زبائنه المحتملين لكن سرعان ما تبدد هذا القلق فربما يكون رأنى عند أحد أكشاك السجائر ابتاع البفرة ربما قد رأني مع أحد منافسيه ربما هناك أكثر من طريقة يعلم بها لكنني الأن معاه بداخل دراجته اقوم بلف أحد السجائر لنشربها ونختبرها لا حاجة للقلق فما أسوأ ما قد يفعله لى بائع الكيف؟

انتهيت من لف السيجارة والتى قد أثنى عليها واصفني بالمعلم عندما رأها بعد الإنتهاء، وبعد الكثير من التفاخر خلال تجهيزي للسيجارة بكونه لا يأبه بأحد وانه لا يشرب هذا الدخان الى في الأماكن المكشوفة أمام أعين الأمناء والمرشدين قال لي اننا سنتحرك في الطرقات حتى نشرب دون أن تقاطعنا الأعين الفضولية، ضحكت حينها لكن داخلياً بالطبع فلم أرد أن أظهر له مدى هشاشة ذكورته و أومأت رأسي بالإيجاب وتحركنا.

كان يومها أحد الأيام التى تزدحم فيها الطرقات بالبشر، وبعد قليل من التجول إتجاه الى طريق ما سيأخذنا الى طريق هادئ قليل الناس لا يتخذه احد ليلاً للسير ولا تكون المركبات متواجدة عليه بما يكفي نظراً لكونه غير ممهد بما فيه الكفاية، راودني القلق مرة أخرى حينها لكني حاولت إخراسه حينها فلم أرد أن تهتز صورتي الرجولية التي حاولت ان ارسمها امامه، فبالطبع الرجال لا يأبهون المخاطر وانا أرجل مما قد تظن يا هذا ولن يقلقني محض طريق مهجور.

وصلنا منتصف الطريق واشعل وقتها اللفافة وناولني ايها قائلاً: "صباح الفل، اسحب وأخبرني برأيك"، كان تعامله يؤكد لي في كل مرة أنه بائع كيف فهو يمتلك كل الصور النمطية التى تغذي هذا التصور، اناقته النسبية التى لا تتناسب مع مهنته، شاربه الرفيع، ذقنه الحليقة، هاتفه القديم ذو الأزرار والأصوات الآلية، دراجته ذات الزجاج المغطى بالطبقة السوداء المانعة لرؤية من خلفها جميعها أشياء جعلتني أصدق أنه أحدهم.

ظللنا نتبادل اللفافة سوياً ونتجاذب أطراف الحديث عن الحشيشة وكيف ان الخلطة البنية لم تعد كسابق عهدها وانها خسرت كثيراً من شعبيتها أمام النبتة الخضراء فاقعة اللون التى تسر الناظرين، لكن عندها لاحظت اننا نبتعد وانه يسرع في سيره وبدأ يتسرب الى نفسي القلق مرة أخرى حينها ولم اقدر ان أحجمه هذه المرة فقد كان واضح انه يخطط لشيء ما وأن الأمر لم يعد مجرد بائع يائس يروج لبضاعته مع زبون جيد، عندها طلبت منه أن يهدئ من سرعته فأنفي لم يعد قادراً على الصمود أمام كل هذا الهواء البارد كما اني بحاجة الى العودة فعندي موعد لا أريد أن افوته، لكنه تجاهل كلامي أول مرة فعدته عليه مرة أخرى وأظنه انتبه لقلقي حينها فتوقف وقال: "حسناً لما لا تأتى بجواري، الهواء أقل ها هنا اترك حقيبتك بالخلف واجلس معي سيجعلنا هذا أسرع". كنت وقتها واقعة بين شقي الرحى فمن جانب كان قد تبدد إعتقادي بكونه أحد الباعة وانه بدلاً من ذلك أحد اللصوص وسيحيطنا رفاقه من كل حدب وصوب في أي وقت ومن جانب آخر كنت أحاول الحفاظ على مظهر ثابت غير المبالي حتى لا تهتز الصورة الرجولية التى احاول إظهارها لها.

في نهاية الأمر قررت الانصياع لما قاله لكني لن اترك حقيبتي سأضع فيها هاتفي وسأخرج منها سكيني الصغيرة لتكون في جيبي استعداداً للأمر الطارئ، وتوقفنا ونزلت لأركب بجواره وقفت برهة لتأمل المكان من حولي كان الظلام حالك كأننا بداخل المادة السوداء ذاتها لا صوت ولا حركة لا شئ فقط أنا وهو ودراجته، حفيف الرياح زاد من صعوبة الحدث وشعرت انني لن أخرج من هذا لكننى ركبت، ترك لي مسافة لا بأس بها بجواره واتجهنا لطريق العودة كانت الأمور تسير بشكل طبيعي فقد كان هادئاً مسرعاً نسبياً بشكل لم استطع تفسيره وقتها لكن لم يلبث الوقت أن يمر وعرفت.

بعد أن زاد من سرعته باغتني ورفع يده من عصا القيادة ونظر لي قائلاً: "ربما حان الوقت لتتعلم كيفية القيادة"، فاجأني هذا فبجوارنا مسطح مائي سيبتلعنا بسهولة لو اتجهنا نحوه ولن يدري عنا أحد وقتها، لم أجد بد من يحاول السيطرة على عصا القيادة التي كانت قد انحرفت بالفعل وأحاول أن اعود بها لوضعها الصحيح وسط ضحكاته وتوتري حينها احاطني بزراعه ومد يده من اسفل زراعي الأيسر ليمسك معي عصا القيادة كمحاولة لإظهار أنه يريد تعليمي كيفية الحفاظ على سير هذا الشئ بالشكل الصحيح، أخبرني القليل عن نظام نقل البنزين وكيف يجب علي ان لا اعطي نقلة إلا في نهاية النقلة التى قمت بها، ومن الجانب الأخر كان ممسكاً بمقبض زيادة السرعة ليمنعني من تجاوز سرعة ما قد حددها، بعد أن انتهى تمثيل دور معلم القيادة وجدت يده على صدري تعتصره، فاجأني هذا لما أتوقعه حتى في أسوء كوابيسي كل ما ظننته أنه سيكون لص ما وربما سأعود بلا مقتنياتي فقط..

شعرت وقتها بأن عقلي قد تجمد لم أعد أملك القدرة على التفكير في شئ كل ما كنت أحاول فعله كان الحفاظ على على ثبات العجلات فوق الطريق ومحاولة زيادة السرعة قدر الإمكان لينتهي هذا لكنه كان يعلم ما يدور في رأسي وبيده التى مسك بها مقبض زيادة السرعة كان يعيد السرعة دائماً لما كانت عليه عندها فقدت الأمل لم اتذكر سكيني التي في جيبي ولا أدوات التشريح التى أحملها دائماً في حقيبتي لما اتذكر شئ ولا أظن أنني لو تذكرتهم كنت أستطيع أن أفعل أى شئ فقد توقف الزمن عند لمسه لي، عند يده التي تعلو صدري ورأسها التي أرخاها فوق كتفي ومحاولته البائسة في احتضاني رغم التوائتي بين ذراعيه بيأس، لكن وأخيراً انهارت قواي تركت المقود اعلنتها وقلت: "لم اعد استطيع" اعتبرها هو اننى لم اعد استطيع القيادة فقد كنت أميل بجسدي للأمام كمحاولة للابتعاد عنه لكنه ظنها محاولة لكشف معالم الطريق وعندها توقفنا.

ترجلت من جواره وأنا ارتجف لم اعلم وقتها كان البرد أم كانت محاولة من جسدي لنفض آثار لمساته كنت في أشد لحظات ارتباكي لم اعرف ماذا افعل هل اهرب ام نعود معاً واحاول معرفة هذا الوغد أكثر، وكان القرار الثاني هو ما أملاه علي عقلي عدت للداخل مرة أخرى لكن في مقعد الركاب أخرجت سجائري ناولته واحدة واشعلت الأخرى بعد ان كبست الكبسولة التي تضيف النكهة الصناعية للتوت مع الدخان وقلت له أن يفعل المثل كمحاولة لطمئنته انى لم الحظ ما كان يقوم به وبدأنا نتجاذب أطراف الحديث مرة أخرى

كان قد أخبرني في طريق ذهبنا بأسمه فناديته به وسألته عن سبب ملاحقتي وهنا أدركت اننى اتخذت القرار الصائب يعدم الهرب واختيار العودة معه، فقد قال لى انه يتابعني منذ فترة ربما لم أعرفه جيداً لكنه يعرفني ويعلم أنني لا اتواجد في الشارع كثيراً كان قد اوصلني قبلاً ومن وقتها يتابعنى ويحاول ان نعرف بعضنا بعض أكثر وكانت أولى محاولاته عندما ناداني واعتذرت منه ظناً مني انه بائع وياليته كان فما حدث لم يكن في الحسبان كنت أظن أنني ستتم سرقتي في أسوء الأحوال لكن هذا لم يحدث كان يعلم جيداً ما يخطط له ويعلم كيف يحصل عليه يا لسذاجتي ذهبت مع أحدهم بغرض شراء بعض الحشيشة الجيدة وعدت بعد ان تعرضت للتحرش وعلمت اننى اصبح لي مهوساً يعلم خط سيري ويتابعني يالها من ليلة، حسناً ربما تكون هذه واحدة من الأعراض الجانبية لاستخدام المخدر بدل من العلاج النفسي، فهذه أحدى المواقف التى قد يعرضك لها مخدرك الأمان الذي لا يسبب الإدمان والآن قد عرفتمن فهذا أيضا قد تتعرضوا له فليست التجربة في الهدوء والسعادة التى يسببهما فقط ولكنها تجربة كاملة ربما تزعجك أحد جوانبها أو ربما قد تلاقي أحدهم.

عدنا واوصلني لمكان ما أردت ان يكون بعيداً جداً عن أى من الأماكن التي أتردد عليها وترجلت من جلستي وودعني سائلاً ان كنت سأعاود الاتصال به فهززت رأسي بالموافقة وقلت في نفسي بالطبع سأعاود الإتصال بك يا وغدي العزيز فما حدث لن أعيش به او أحفظه لنفسي سأعود لك مرة أخرى لكن ستكون انت الفريسة وقتها، ولن أتهاون..
جوي جوته
بواسطة : جوي جوته
عابرة دحلابة الجندر، قالعة من قلاع اليسار وما بحبش الدوشة.
تعليقات