المُحَسِنون الجدد

George Stubbs - The Lincolnshire Ox - Google Art Project



في مطلع القرن التاسع عشر كانت بريطانيا قد خاضت شوطاً كبير في العصر الصناعي، وقد أثر هذا على الأثرياء من الريفيين أصحاب المزارع والمعتمدين في ثروتهم بشكل أساسي على الزراعة وتربية الماشية  وأصبح التكاثر الانتقائي لبعض الصفات في الحيوانات ممارسة أكثر شيوعاً، وقد كانت بداية ظهور نتائج هذه الممارسات في أحد الثيران والذي عرف بإسم (ثور دورهام).


صُممت عربة تجرها أربعة خيول خصيصاً لثور لندن الكبير تحضيراً لجولاته الإستعراضية التي خاضها فيما بعد حول إنجلترا وإسكتلندا في المعارض الزراعية وغيرها من الأحداث ذات الصلة، جذب الثور الناس وقتها من جميع الأنحاء لمشاهدة تلك الكتلة من الشحوم والعضلات التى تزن أكثر من 1700 كيلوجرام فقد كان التسمين و التكاثر الإنتقائي في بداياته واهتم الجميع برؤية نتيجة تلك الأساليب الحديثة في التربية والإنتاج الحيوانى، واستمرت جولات ثور دورهام ست سنوات كاملة يجوب فيها المعارض وقيل أن تسجيل رسوم الدخول لرؤية الثور بلغت حوالي 97 جنيهاً إسترلينياً وقد بلغت الحفاوة بالثور وقتها إلي رسم لوحات فنية وصنع أواني خزفية وفخارية مزينة بصورة الثور.


لما يكن كل هذا الإحتفاء بالثور لضخامته وكبر حجمه فقط ففي ذلك الوقت كان هناك الكثير من الحيوانات المحسنة تتنافس على جائزة أضخم/أثقل حيوان ولم يكن ثور دورهام أثقل أو أكبر حيوان، لكنه أصبح مشهورا جداً لأنه كان مثاليا في عيون من راؤه من النبلاء والأثرياء كان في عينهم جميلاً جداً يحمل كل الصفات التى يسعوا لتحسينها في ماشيتهم، وجه الإحتفاء بثور دورهام أعين الأثرياء والنبلاء أكثر لتقنيات الاستيلاد و التكاثر الانتقائي وظهر مصطلح "المُحَسِنون" دلالة على محاولاتهم لتحسين صفات ماشيتهم وتسمينها وإظهارها بصفات معينة.


وتزامناً مع تلك المحاولات ظهر الإهتمام بالتجسيد البصري لتلك الماشية المحسنة على غرار ثور دورهام حيث ظهر وقتها أسلوب فني بسيط اطلق عليه الفن الريفي أو الساذج وتحول الرسم الحيوانى الذي كان بلغ ذروته في القرن التاسع عشر من رسم خيول السباق في أغلب الأحيان إلى رسم حيوانات المزرعة المحسنة وحيدة أمام قرية لتوضيح مدى ضخامتها أو بجانبها مالكيها الذين يشيرون لها بفخر أو ينظروا لها بتعجب واعتزاز.


وقد كانت لتلك اللوحات الزيتيه الكثير من الإستخدامات بالنسبة لهؤلاء الأثرياء والنبلاء من أهمها أنها كانت تمثل الدعاية والإعلان على نجاح أصحابها في التربية من حيث الحجم والوزن، بجانب المعارض الزراعية والمسابقات التي كانوا يخوضونها، ومن جانب أخر وكطبيعة الرأسمالية لم يكن الاستيلاد والتحسين متاحاً للجميع فقد تم تحذير المزارعين العاديين في النشرات الزراعية من محاولة منافسة النبلاء في هوايتهم الجديدة فهم وحدهم من يمتلكون الوقت والمال والموارد التى تمكنهم من النجاح في الوصول لتلك النتائج من الاستيلاد، لذلك في كثير من الأحيان تكون تلك اللوحات الزيتية التى تجمع الماشية مع مالكيها بغرض استعراض الامتيازات التى يتمتع بها هؤلاء النبلاء.


اليوم وبعد حوالى مئتي سنة من ظهور التكاثر الانتقائي وأنماط التربية التحسينية يظهر علينا ما أسميهم بـ "المُحَسِنون الجدد" وعلى عكس ما قد يظن البعض لا يحاول هؤلاء تحسين الماشية لقد ذهبت السلطة المجتمعية ومشاعر الإستحقاقية الأبوية والذكورية الهشة إلى أبعد من ذلك بكثير..


عادتاً ما يظهر المُحَسِنون الجدد بعد أى ظهور غير نمطي لأحد الأشخاص من خلال وسائل التواصل الإجتماعي، بمجرد أن ينتشر هذا الظهور ويجذب إنتقادات شرطة الأصولية المجتمعية تكون حانت لحظة ظهور هؤلاء المحسنون ستجدونهم/ن دائماً يقدمون أنفسهم على أنهم داعمين للأفراد الغير نمطيين ولا يرغبون في شئ غير المساعدة لكن ما يقومون به لا يدل على ذلك تماماً.


كنت أتصفح مؤخراً أحدى منصات التواصل الإجتماعي حين طل علىِ أحد هؤلاء المُحَسِنون في بث مباشر يقدم فيه آخر مشاريعه التحسينية ويتفانى في شكر كل من ساعد ومد يد العون في التنفيذ، ظل يتحدث إلى ما قد يزيد عن دقيقة كاملة وإلى جواره وقفت إحدي الفتياة بظهرها في إنتظار الإعلان عن لحظة ظهورها بعد التحول الكبير الذي نجح في إحداثه هذا الصالون التجميلي الفخم الذي يقفون فيه، تلك الفتاة التى كانت قد ظهرت قبلاً في لقاء لجريدة اخبارية مصرية عن طريق بث مباشر من خلال صفحتها على أحد منصات التواصل خلال تواجدها في أحد الصالات الرياضية أثناء قيامها باحدي التدريبات الخاصة برياضة كمال الأجسام الأمر الذي قد يجده سواد المجتمع غريباً وغير مألوف خاصةً مع التغيرات الجسمانية التي اكتسبها جسدها من تلك الرياضة، ورغم ما حملته التعليقات من استنكارات ولعن لأسباب دينية تخصهم/ن فقد كان مجتمع تلك الفتاة داعم بشكل كبير بل ويعاملها بشكل طبيعي جداً سواء أصدقائها في الصالة الرياضية أو جيرانها وأهل منطقتها جميعهم كان يظهر التقبل والحب على الرغم من تعبيرها الجندري غير النمطي.


ورغم أن الفتاة لم تصرح بأن لها هوية جندرية عكس التي عينت لها عند الولادة او ميول ما وهي الأمور التي تثير دائماً غضب مجتمعاتنا إلا أنها لم تنجوا من  هجوم جمهور الجريدة وغالبية جمهور منصات التواصل الإجتماعي، لكنها طبيعة الجماهير، فالجماهير ساذجة ومحافظة نادراً ما تستند في أرائها للمنطق بل عادتاً ما يكون الدافع الحقيقي في أراء الجماهير هو العاطفة، لذلك وبعد الهجوم المدوي الذي واجهته تلك الفتاة ظهرت في بث مباشر لجريدة إخبارية أخرى ولكن هذه المرة بآراء مقاربة أكثر للجماهير تحمل في طياتها كثيراً من الذكورية  وامتهان المرأة ربما كمحاولة غير واعية منها لتقليل حدة الهجوم المجتمعي الذي تتعرض له، لكن وعلى الرغم من أن وتيرته قد قلت نسبياً إلا انها ظلت تهاجم بل وزاد مهاجميها منِ من كانوا يدعمونها سابقاً بعد آرائها التي رأوا أنها عنصرية ومهينة.


وهنا جاء دور أحد المُحَسِنون الجدد الذي أظهر نفسه على أنه ومن معه هم من قدموا يد العون لهذه الفتاة المسكينة جاء ليضعها مرة أخري في الشكل النمطي للأنثي كما يراها المجتمع مستعيناً بأحدي صالونات التجميل مع فريق مخصص كي يساعد في إعادة تشكيل هذه الفتاة لتظهر بما يناسب تلك الرؤية النمطية للجماهير، الرؤية التى إعتادوا أن يظهر لهم الناس عليها حتي يأمنوا أذاهم، كان يصر على القول بأنه يؤمن بالفرصة الثانية وأنه يجب على الجماهير إعطائها فرصة ثانية؛ فرصة ثانية حتي تكون كما يريدون أن يروها وبالشكل الذي يناسبهم بصرف النظر عن ما يناسبها هى، رغم أن نمط الحياة التي كانت تعيشه كان بإختيارها وأن شكلها وما تعبر به عن نفسها هو ما ينسبها إلا أن هؤلاء المحسنون قد أتوا ليجعلوا منها نسخة أكثر تماشياً مع رؤية المجتمع لما هو طبيعي، ليقفوا بجوارها في نسختها التي حسنوها للمجتمع كما كن يقف المحسنون قديماً بجوار ماشيتهم يعلوهم الفخر والتكبر ويملئهم الإنتصار رغم هذا كانت الفتاة أقل سعادة عن ذي قبل، كيف لا وقد كانت هي أقل الحضور كلاماً رغم أن البث يتمحور حول شخصها لكن هذا ما يفعله المحسنون الجدد يأتون بك ويوهموك بالمساعدة وان كل هذا العرض سيتمحور حولك لكن في النهاية تجد/ي نفسك قد نزعت منك قصتك وشخصك ليقف أخرون ليتكلموا بالنيابة عنك ليحكوا قصتك كما لو كانت قصتهم لكنهم سيحكوها بطريقة من يسيطر على الأمور من يقف في برجه العاجي ليساعد من خرجوا عن النمط على أن يعودوا إليه.


ورغم حقارة هؤلاء المُحَسِنون إلا انهم في رأيي أقل ضرر من هؤلاء الداعمون بشروط، هؤلاء الذي يقول لسان حالهم نعم، سندعمك انه حقك في الاختيار لتكون/ي كيفما تريد/ي سندعمك لتكون/ي على طبيعتك لكن بمجرد أن يصدر منك أى فعل، قول أو رأي مخالف سنسلبك دعمناً هذا وكأننا نعاقبك دون أن نأخذ في اعتبارنا أى شئ عن خلفيتك الثقافية أو بيئتك ووسطك الإجتماعى أما ان تكون/ي مثلنا ولك منا كل الدعم والتقبل وإما فلا لن يكون لك/لكِ من دعمنا نصيب؛ لكن هؤلاء قد يحتاجون مقالاً آخر فقد أطلت هذا بما فيه الكفاية وقد حان وقت إنهائه.


كونوا بخير..

جوي جوته
بواسطة : جوي جوته
عابرة دحلابة الجندر، قالعة من قلاع اليسار وما بحبش الدوشة.
تعليقات